خواطر حول الحياة الطيبة في القرآن الكريم
هذا المقال مستوحى من كتاب الحياة الطيبة في القرآن الكريم للدكتور محمد بن عبدالله بن علي الخضيري

تخيل أن تكون في مجلس وتقوم لتصلي، فيتعجب من حولك ويسألونك عما تقعل، يأتي موسم الطاعات وتصوم لله تعبدًا ويتعجب من حولك أنك تصوم, ينتابك شعور بالغربة وتذكر بعدها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلامُ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغُرباء"، قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: "الذين يُصلحون إذا فسدَ الناس"، وفي رواية: "الذين يزيدون إذا فسدَ الناس".. أي يزيدون ديانةً وخيرًا وطاعةً وإيمانًا وتُقى حين ينقص كل ذلك من الناس.
أعي جيدًا غربة الدين وغربة الإسلام في هذا الزمان ولا أجد الأنس إلا في معرفة حال المؤمنين والصحابة في أزمنة الفتن، وفي نفسي أؤمن أن على الإنسان أن يتمسك -بكل ما أُتيحت له من قوى- بالوحي وما أنزله الله ليكون نورًا وهدى وبيانًا، يعيد تعريف الحياة منه وترتيب أولوياته وما يجدر أن يستمسك به وما يتركه سدى لينعم بحياة طيبة تقوده إلى المستقر وحسن المأوى.
أعود لقراءة مفهوم الحياة في القرآن وكيف يصفها الله في كتابه العزيز
التعريف اللغوي ل (الحياة)
الحياة نقيض (الموت) وكذا الحي، وتستعمل لفظة الحياة في استدلالات عدة منها، القوة النامية “وجعلنا من الماء كل شيء حي”، “اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها”
ومنها القوة العاقلة العاملة، التي يفرق فيها بين الحي والميت” أفمن كان ميتًا فأحييناه” وقول الشاعر “وقد أسمعت لو ناديت حيًا .. ولكن لا حياة لمن تنادي”
ومعنى آخر وهي الحياة الحق أي الأبدية “يقول ياليتني قدمت لحياتي”، “ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم” يقصد بها الحياة الأخروية الدائمة
وقال الجرجاني: الحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة بالحقيقة هو تكامل الناقص.
وأما الطيب: اسم فاعل من الفعل طاب، وطاب الشيء أي كان حلالًا “فكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا”
وطابت نفسه أي انشرحت وانبسطت، والطّوبى هي العيش الطيب، وأصل الطيب: ما تستلذه النفوس.
والحياة في الشرع هي هبة من الله تعالى لمخلوقاته وحالتهم الأولى هي الموت. والحياة الطيبة في اصطلاح الشرع ما اختاره الله من الحياة للمؤمنين العاملين بشرعه، المتمسكين بهديه.
تحديد القرآن لمفهوم الدنيا
يقول الكاتب: “جاء ذكر الدنيا مفردًا عن الحياة في القرآن في أربعين موضعًا، منها ست وعشرون موضعًا في ذمها، وأربعة عشرًا في سياق الخبر عنها وعن أهلها”
تُوصف الدنيا في القرآن أنها متاع قليل، والمتاع هو ما يُنتفع ويُتمتع به ثم يزول ملكه ولا يبقى.
وقال قتادة في قوله تعالى: وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، قال: هي متاع، هي متاع متروكة أوشكت -والله الذي لا إله إلا هو- أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله.
فما بال أقوام غرتهم الدنيا؟
يصف الله حال الكفار في الدنيا بأنهم اطمئنوا إليها ورضوا بها، وقد ذم الله سبحانه وتعالى هذا الحال من الخنوع في كتابه الكريم “الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ” -سورة إبراهيم (٣)
ومن أحوال الكفار التي يصفها القرآن أنهم يشترون قليل الدنيا بكثير الآخرة فكما تقدم أن متاع الدنيا زائل لا يبقى، فتجد الكافر يحرص على هذا القليل ويستمسك به “وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ” -سورة البقرة (٩٦)
الحياة الحقيقية هي ما اتصل بالآخرة
إن محور حياة الإنسان من عمل وطاعة وبذل هي ما تسلك به طريقه إلى الآخرة “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”
فلم يُرد الله للمؤمنين أن ينشغلوا بالحياة الدنيا وزينتها، بل جعل موعدهم الحق وحياتهم هي الآخرة والعاقبة للمتقين وكان شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله يقول “من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية”
بل أراد الله لهم حياة طيبة توصلهم بالآخرة “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” -سورة النحل (٣٢)
وفي وصف الحياة الطيبة يقول ابن القيم في زاد المعاد
وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها ، وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفطر السليمة مع الشرائع النبوية ، وزكتها العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة، مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبب إليه جهده وطاقته، ويحسن إلى خلقه ما استطاع، فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوا به، ويعاملوه به، ويدعهم مما يحب أن يدعوه منه ، وينصحهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به، ويحمل أذاهم ولا يحملهم أذاه، ويكف عن أعراضهم ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى لهم حسنا أذاعه، وإذا رأى لهم سيئا كتمه، ويقيم أعذارهم ما استطاع فيما لا يبطل شريعة، ولا يناقض لله أمرا ولا نهيا .
وله أيضا من الأخلاق أطيبها وأزكاها، كالحلم والوقار والسكينة والرحمة والصبر والوفاء، وسهولة الجانب ولين العريكة والصدق، وسلامة الصدر من الغل والغش والحقد والحسد، والتواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان، والعزة والغلظة على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله، والعفة والشجاعة والسخاء والمروءة، وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول .
اختلف العلماء في معنى الحياة الطيبة التي ذكرها الله في القرآن في مواضع عديدة، وقيل أن المقصود بالحياة الطيبة الرزق الحلال، ومنهم من قال أنها القناعة ورجح هذا القول الإمام الطبري فقال “ذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق، لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدر فيها عيشه، باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها”، والمعنى الثالث الذي ذهب له العلماء هو توفيق العبد للطاعات فهي التي تأخذ بيده إلى الجنة.
من أسباب الحياة الطيبة
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز مواضع عدة عن أسباب الحياة الطيبة، من ضمن هذه الأسباب
دوام ذكر الله سبحانه وتعالى
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ -سورة الرعد (٢٨)
التواصي بالحق والصبر
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
يصف الله سبحانه تعالى حال الإنسان عمومًا بأنه في خسر وإلى زوال إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بينهم بالحق والصبر
ويقول الكاتب: أفادت صيغة التواصي بالحق والصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائمًا على شيوع التآمر بهما، وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام.
الاستغفار
“وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ” -سورة هود (٣)
حسن استخدام العقل
“لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ” -سورة يس (٧٠)
وجاء في تفسير الطبري “وقوله ( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ) يقول: إن محمد إلا ذكر لكم لينذر منكم أيها الناس من كان حي القلب، يعقل ما يقال له، ويفهم ما يُبين له، غير ميت الفؤاد بليد.”
ختامًا
وُصفت الدنيا في القرآن أنها لعب ولهو ومتاع الغرور، وأراد الله للمؤمنين أن يعوا أنها ليست المستقر وإنما الطريق الموصل للآخرة والحياة الحقيقية، فالمؤمن ينفض عن نفسه الجهل وقبائح الأعمال ويستعين بذكر الله تعالى والاستغفار ويتواصى بالحق والصبر ويستغنى عن الخلق ويرضى بقضاء الله وقدره ليحيى حياة طيبة ويذوق حلاوة الطاعة والقرب من الله.


